هاهي الأيام تمضي ... وأنتِ ياأمي مازلتِ حاضرة في ذاكرتي ... لم تغيبي لحظة واحدة ... أشعر بكِ في كل لحظات حياتي ... أشعر بدفء حنانك عندما تضيق بي الدنيا ... ضحتك الجميلة تضيء سعادتي وبهجتي
رحمك الله تعالى ... وجعل الجنة مثواكِ ...
اللهم ياكريم يارحيم ... ارحمها برحمتك ... وأنر قبرها ... واجعله روضة من رياض الجنة يارحمن ياكريم
اللهم آمين
=========================
اتذكر ذلك اليوم .. يوم الثلاثاء ... 22 أغسطس 2006م ... عندما ذهبت الى مديري طالبا منه يوم السبت 26 أغسطس اجازة ... علشان اكون معاكِ ياغالية ... قلتله هانزل الرياض الاربعاء .. وارجع الدوام الاحد ان شاء الله ...
رفض طلبي ..واخبرني ان السبت مهم جدا ..فيه اجتماع مهم لنا ... وطلب مني ان أأجل الموضوع للاسبوع التالي ... حاولت معه الى أن وافق على ان احضر للدوام على وقت الاجتماع .. الساعة الثانية ظهرا ... وقالي خلاص ..افطر معاها السبت وتحرك من الرياض ...
قلتله طيب .. فكرة برضه ... ونزلت الرياض الاربعاء كما كان مخططا ... وقضيت معها نهاية أسبوع أكثر من رائعة ... سألتها عن أشياء كثيرة ... عن ولادتي عن ولادة اخوتي .. عن ذكرياتها .. لم تمل من اسئلتي .. وتكلمت كثيرا معي ... ذكرت أشياء كثيرة عن حياتي كانت أم فارس تسمعها للمرة الاولى ...
فطرت معنا يوم الجمعة ... لم تكن تفعل ذلك مؤخرا ... فالاكل كان يتعبها مؤخرا .. رحمة الله عليها
بعد الصلاة .. بدأت تتحرك في البيت وتشعر بنشاط جميل ... سالتني ان كنت اريد منها اي شيء تقوم به من أجلي ... قالتلي .."انا حاسة اني احسن بكثير الحمد لله ..مش عايز حاجة اعملها ليك يابني" ... كنت ماسك اللاب توب وباتفرج على التليفزيون ... قلتلها ارتاحي انتي بس واحنا نشيلك فوق راسنا ... وفعلا ..جلست امام التليفزيون ... وتابعنا سويا برنامج الشيخ عايض القرني .. "أما بعد"
قلتلها ايه رأيك ياأمي انزل الخبر النهاردة .. واسيب البنات وأمهم معاكي .. وارجع الاسبوع الجاي واكون اخدت السبت اجازة كمان واقضي معاكي وقت اطول ... وافقتي الرأي .. وقالتلي احسن من انك تمشي الصبح على الشغل على طول من هنا ... بس اذا كنت هتمشي النهاردة ..فامشي في النهار ..بلاش تسوق في الليل ..
قلتلها حاضر .. ونويت فعلا على السفر ... وارجع ليهم الاسبوع الجاي ...
على العصر توكلت على الله ... ركبت عربيتي .. ووصلت بيتي على العشا ... أكلت وسهرت شوية على التليفزيون والنت .. ونمت ... نمت في مثل هذا الوقت ... الوقت الذي كانت تعاني فيه سكرات الموت وأنا لم أكن أعلم ... ولم يخبرني أحد بأنها قد تم نقلها الى طوارئ المستشفى العسكري في هذه اللحظات ... كانوا يعتقدون أنها حالة طارئة وهتعدي على خير ...
لكنها أسلمت الروح الى بارئها حوالي الساعة الثانية والنصف فجر السبت 26 أغسطس .. وأعلن الاطباء وفاتها في تلك اللحظات ... رحمها الله تعالى
صحيت الصبح بدري ... وكنت جاهز اني اروح الشغل ... لقيت الموبايل بيرن .. لقست اسم عبدالرحيم هو المتصل ... ماجاش في بالي اي حاجة .. ولم يخطر ببالي أبدا انه فيه حاجة حصلت لأمي رحمة الله عليها ..
ألو ... انت صاحي والا نايم
قلتله صاحي ياسيدي وبالبس علشان اروح الشغل ... خير
صوته كان حزين طبعا .. وهو بيقولي البقية في حياتك ...
للحظة ... وجدت الصورة سوداء تماما .. ولم استطع تخيل من يقصد بكلمته ... تخيلت انه يقصد ام فارس ..او رهف او روان ... وهيأت نفسي اني اسمع اي اسم اخر وانا باقوله البقية في حياتي في مين ؟
وكأنه استغرب سؤالي .. ولسان حاله بيقول ..يعني هيكون في مين ... وقالي في أمك الله يرحمها
شعرت وقتها بأن الدنيا قد توقفت للحظات ... ومر شريط الذكريات سريعا داخل عقلي المشتت وقتها ... ولساني ينطق ب "لاحول لاقوة الا بالله" رحمة الله عليها ...
قلتلها هي فين وهتعملوا ايه .... أخبرني انها مازالت في المستشفى ..والصلاة هتكون غالبا الظهر عليها .. قلتله طيب انا جاي حالا ...
ماجاش في بالي اي حاجة ... غير صورة وجهها الجميل ..رحمة الله عليها ... الزمن متوقف فعلا ... لك اشعر بشيء .. ولم أفكر في أي شيء ....
لبست وركبت عربيتي ... وتوكلت على الله ... وانا في حالة من حالات التوهان الذهني ... مش شايف حاجة غير الطريق ... ومجموعة كبيرة من الذكريات ... مع ذكر الله سبحانه وتعالى ..كي يلهمني الصبر والسلوان
وصلت عند اول محطة بنزين في طريق الدمام - الرياض ... ووقفت اعبي بنزين ... لقيت شاب صغير بيطلب مني اني اخده معايا للرياض ... عادة مابارضاش ... لكن قلت من أجلها .. وطلبا لأن يكون هذا الاجر لها ..وافقت واخذته معي ..
جلس على الكرسي ..ولاحظ ان حالتي غير طبيعية ... فاحترم ذلك والقى رأسه على الكرسي وفضل النوم ...
وانطلقت انا في طريق الذكريات ...
اول حاجة فكرت فيها اني عايز الناس تدعي ليها ... عايز الكل يطلب لها الثبات عند السؤال .... مسكت الموبايل .. وكتبت رسالة ... أخذت مني حوالي النصف ساعة ..كن باكتبها وانا سايق العربية على سرعة مش قليلة أبدا ... حتى الشاب ياعيني قلق من الحكاية دي .. بس ماقالش حاجة
طلبت في رسالتي الدعاء لأمي رحمة الله عليها .. وارسلتها لكل من يحمل جوالي اسمه ...
كان اول المتصلين .. محمد منصور ... ابن خالي ... وتوالت بعد ذلك الاتصالات والماسيجات ... شعرت بالراحة لأن المهمة الاولى قد اديتها ... ودعوت الله ان يتقبل دعوات الجميع ..
وصلت الرياض ... وتوجهت فورا الى المستشفى ... ونزلت الشاب اللي كان معايا هناك وهو كمل طريقه بمعرفته ..ماكانش فيه وقت اني اوصله لأي مكان ..
طبعا كلمت خالي وخالتي .. علشان كنت عارف قد ايه الموقف مش هيكون سهل عليهم ..وحبيت اني اكون معاهم في اللحظات دي حتى لو كان بالتليفون ... وفي نفس الوقت اكون انا مع اقرب الناس الى قلب أمي رحمة الله عليها ...
توجهت الى ثلاجة الموتى داخل المستشفى .. وانا اتذكر العمر الذي قضته أمي في سكن المستشفى العسكري .. وارادة الله سبحانه وتعالى أن تكون وفاتها في نفس المكان الذي لك تتخيل أبدا انها ستعود يوما اليه ...
استقبلني المغسل "ضياء" بالتعازي ... وطلب مني الانتظار الى أن يحضر أبي وعبدالرحيم الاوراق المطلوبة في مثل هذه الحالات ...
طلبت رؤيتها .. ولكنه طلب مني الصبر أيضا ...
وبالفعل .. انتظرت الى ان وصل أبي وعبدالرحيم ... مع دخول وقت صلاة الظهر ... وبدأت اجراءات غسلها رحمة الله عليها ... لم يكن هناك غيري في المغسلة ... فطلب مني "ضياء المغسل" ان القي نظرة عليها كي أؤكد انها هي والدتي رحمة الله عليها ... وليعطيني فرصة للاختلاء بها لاخر مرة في حياتي .. رحمة الله عليها
فتحنا الثلاجة انا وهو ... واخرجها بالكيس الذي كانت بداخله ... حملناها سوية ... ووضعناها على طاولة داخل غرفة الثلاجة ... فتح الكيس من عند وجهها رحمة الله عليها .. وخرج وتركني معها ...
نظرت الى وجهها الجميل ... مازال البياض هو السمة الغالبة عليه .. مع بعض الالام على شفتها نتيجة لصعوبة التنفس الذي عانته اخر لحظات حياتها ...
قبلت جبينها ... وقرأت الفاتحة .. ودعوت الله لها ... مازالت صورتها حية أمام عيناي .. رحمة الله عليها
تركتها بعد ذلك كي تتم عملية الغسل ... وذهبت الى صلاة الظهر ... وهناك قررنا أن نصلي عليها مع صلاة العصر ان شاء الله ... آملين ان يكتمل تواجد اخوتي جميعا وقت صلاة العصر ..
رحت لشقة عبدالرحيم .. علشان اجيب البنات ... ورجعنا المستشفى قبيل صلاة العصر ... اخواتي البنات وام فارس ورهف وروان ...
أقيمت صلاة العصر .. ولسة بهاء وضياء ماوصولوش ..بهاء كان في مصر ..وضياء في دبي .. والاثنين طلعوا المطار اول ماسمعوا الخبر ..وركبوا اول طيارة
وصلت أمي رحمة الله عليها من الثلاجة الى الجامع .. الجامع الذي شهد جميع مراحل حياتنا جميعا ... ووضعناها في غرفة الموتي داخل الجامع .. قفلت الباب المؤدي الى الجامع .. ودخلت البنات يسلموا عليها ... مع وصول بهاء في تلك اللحظات ... واقامة صلاة العصر ... صلينا العصر ... ثم نادينا للصلاة على امي رحمة الله عليها .. تجمع عدد غير قليل من الزملاء والاصدقاء ..بارك الله فيهم جميعا ...
وتقدم أبي ليصلي عليها رحمة الله عليها ... وانا واخواني على يمينه ... ليشهد الجامع الذي صليت فيه على مئات الاموات .. يشهد صلاة جنازة أمي رحمة الله عليها ...
انتهت الصلاة .. واخذها عبدالرحيم وبهاء في الاسعاف الى المقبرة .. وانتظرت انا وابي وصول ضياء .. علشان ناخده معانا ونطلع المقبرة ... في نفس الوقت كنت انا اخدذت البنات ووصلتهم للبيت ..ورجعت لقيت ضياء لسة ماوصلش .. لكنه اتصل وقال انه هيطلع على المقبرة مباشرة ..
اخذت ابي وانطلقنا الى المقبرة ... وصلنا ولقينا سيارة الاسعاف في الانتظار خارج المقبرة ... والاحبة كلهم متجمعون حولها ... انتظرنا قليلا وصول ضياء .. ودخلنا جميعا المقبرة ... كانت اخر جنازة تدخل في ذلك الوقت ... وتجمع جميع الموجودين في المقبرة .. للصلاة عليها من جديد .. رحمة الله عليها ..
ثم بدأت عملية الدفن ... القبر كان محفور وجاهز ... والناس هم اللي عملوا كل حاجة .. بهاء نزل القبر ونزلها بيد الى لحدها الاخير ... وحطوا لبنات الطوب عليها .. ثم اهللنا التراب عليها رحمة الله عليها ...
كنت انظر الى كل هذا وانا غير مصدق ان هذا يحدث لأمي رحمة الله عليها ... بكيت كثيرا ... ومازلت ابكي فراقها ... رحمة الله عليها ...
=================================
اللهم ياكريم ... ارحمها برحمتك ... واجعلنا ولدها الصالح الذي يدعو لها .. ويكون سببا في عدم انقطاع عملها الصالح في هذه الدنيا ياكريم